تعريف بعلم التزكية والاحسان
كتبهامحب العدل والإحسان ، في 29 أكتوبر 2007 الساعة: 11:39 ص
لا يمكن التحدث عن الأولياء الصالحين أهل التزكية والاحسان دون الحديث عن العلم الذي اختص بتزكية النفوس وتهذيبها وتربية الانسان حتى يبلغ كمال العبودية والمحبة والاخلاص لله عز وجل، ألا وهو ما اشتهر بالتصوف أو علم التزكية والسلوك الى الله :
التصوف في مغربنا العربي
كان أول ظهور الصوفية في المائة الثانية من الهجرة النبوية ، انتشروا بعد ذلك انتشارا واسعا في المشرق الاسلامي ونبغ فيهم رجال بين الاوساط العلمية وغيرها وتكونت منهم عدة طبقات ووجد فيهم أئمة وكبار من أبرزهم الفضيل بن عياض وابراهيم بن ادهم والسري السقطي وشقيق البلخي وذو النون المصري وأبو القاسم الجنيد وسهل بن عبد الله التستري وإبراهيم الخواص وأبو يزيد البسطامي والحكيم الترمذي والحارث المحاسبي وأبو سليمان الداراني وابن أبي الحوارى وأبو نصر السراج وأبو عبد الرحمن السلمي وأبو القاسم القشيري وعبد القادر الجيلا ني وغيرهم من شيوخهم وتلامذتهم وأتباعهم ممن ضمنهم ابو نعيم كتابه المطرب الحلية والسلمي الطبقات والقشيري في الرسالة والخظيب في تاريخ بغداد.
وعلى الرغم من هذا الظهور العام للتصوف والصوفية وقيام دولتهم وحركتهم في المشرق العربي والاسلامي بقي مغربنا بمعزل عنه لم ينصبغ أهله بصبغته ولم يعرفوه كما عرفه اخوانهم المشارقة الا في اوائل المائة الخامسة للهجرة أوقبلها بقليل وذلك في عهد المرابطين وعندما ظهر بهذه الديار لم يكن معروفا بمعناه المتعارف فيها بعد بل كان مبناه على الزهد والتقشف والنسك وحمل النفس على المجاهدة في الطاعة والوقوف مع ظواهر الشريعة دون تغلغل في علوم المكاشفات والحقائق ولذلك لم يوجد في هذا العصر صراع بين المتفقهة والمتصوفة كما وقع بعد ذلك وكما حصل في الشرق قبل هذا العهد أيضا بزمان لانهم لم يأتوا بشيء جديد يخالف ظاهر الشريعة كما يراه الفقهاء على أن هذه الظاهرة كانت موجودة في القرون الاولى بكثير وحتى في البلاد الاندلسية وهذه العدوة المغربية فقد وجد فيها كثير من الزهاد والنساك والمتقشفين منذ دخلها الاسلام كما نرى ذلك جليا في الطبقة العلمية في تاريخ العلماء لابن الفرضي والصلة لابن بشكوال والديباج والمدارك وغيرها.
نعم في المئة الخامسة دخلت بعض كتب التصوف للمغرب حيث جاء بها من مكة المكرمة ابو عبد الله محمد بن سعدون القيواني نزيل أغمات من بلاد مراكش والمتوفى بها سنة 485 ولكن ذلك كما يظهر لم يحدث بين الاوساط العلمية والدينية أثرا ولا حصل بين الفقهاء والمتزهدين بسبب ذلك تنافر ولا صراع ولكن في اواخر هذه القرن فوجئ العلماء بإحياء علوم الدين للامام الغزالي فتصفحوها ورأوا فيها ما لم يألفوه فافتوا باحراقها وتحريم قرائتها وكان الذي تولى كبر هذا الحادث الخطير الذي لم يقع اشنع منه كما يقول صاحب الاستسقا في زمن المرابطين هو قاضي قرطبة عبد الله بن حمدين من طرف على بن يوسف بن تاشفين ثم تبعه كثير من فقهاء العدوتين وكان العراف سيدي علي بن حرازم ممن شارك في ذلك ثم تداركه الله فرجع وعقب هذا الحادث وقع انخراط في دولة المرابطين وجعل امرها يتدهور ويضطرب وحصل انحلال فيها وانتشر الظلم والفجور وظهر منشئ دولة الموحدين المهدي بن تومرت الذي كان ابتدأ ظهوره سنة 515 هـ وحصلت فتن وحروب ومعارك أهلية لم تهدأ الا باضمحلال دولة المرابطين وسقوطها والامر لله وحده والمقصود أن أول ظهور التصوف كان أيام دولة المرابطين وفي أواخر دولتهم انتشر في المغرب والاندلس لاسيما بعد دخول الاحياء لهذه الديار فإن هناك من كان قد شغف بالكتاب على الرغم مما كان حاصلا من فتنة من يوجد عنده فهذا أبو الفضل ابن النحوي ذكروا عنه أنه كان قد كتب الاحياء في ثلاثين جزءا واعتكف على قرائته وخاصة في شهر رمضان فكان يقرء كل يوم حصة منه وكان يقول وددت أنى لم انظر في عمري سوى هذا الكتاب رحمه الله تعالى وايانا آمين.
من كتاب المطرب بذكر بعض مشاهير أولياء المغرب للحافظ العلامة سيدي عبد الله التليدي رحمه الله.
وتبقى كتابات الوالد الحبيب سيدي عبد السلام ياسين حفظه الله ورعاه، من أجمع كلم كتب في التعريف بطريق أهل الله تعالى والثناء عليهم، وأجمله عبارة وأعذبه أسلوبا..
والأتم الأكمل.
جزاه الله عن الامة خيرا ..من هذه المؤلفات المباركة على سبيل المثال لا الحصر: كتاب الإحسان في جزئيه
http://yassine.net/mishkate/pages/YOBooksListByCategoryPage.aspx?CategoryID=1&BookID=2
وكتاب الاسلام بين الدعوة والدولة
http://gzinaya.ifrance.com/kotob/Daawa_dawla.pdf
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه
الحمد لله رب العالمين وصلواته وسلامه على سيدنا محمد خاتم الأنبياء وامام المرسلين وقدوة الأولياء والمتقين ورضي الله تعالى عن آله الطاهرين وصحابته الأكرمين ومن تبعهم بإحسان الى يوم الدين.
( من كتاب المطرب بذكر بعض مشاهير أولياء المغرب للحافظ العلامة سيدي عبد الله التليدي رحمه الله.)
وبعد، فإن كل من قرأ سير الصوفية ودرس أحوالهم ووقف على تراجمهم وطالع كتبهم تحقق بأن التصوف هو روح الإسلام وسره وأنه ليس بشيء أجنبي عن المسلمين وعن دينهم كما قد يفهمه بعض أبنائه الجاهلين خطأ ، وإنما هو سر الدين ولبه الذي كان عليه الصحابة وسلفنا الصالح رضي الله تعالى عنهم.
فالصوفية حياهم الله تعالى لايزيدون عن كونهم يسعون في التحقق بمقام الإحسان الذي هو سر الإخلاص ويعملون للوصول إلى مقام المراقبة ثم المشاهدة المعبر عنهما في الحديث الشريف بأن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فهو يراك، حيث يصلون إلى التحقق بالعبودية الكاملة الخالصة التي جاء بالدعوة إليها نبي الإسلام والتي كان أصحابه فمن بعدهم منصبغين بها. فمن فهم التصوف على غير ما ذكرناه فقد فهمه محرفا وهذه كتب القوم من ألفها إلى يائها لا تخرج عن الدعوة إلى التحقق بما ذكرناه . فحياة الصوفية هي عبارة عن سلسلة ذهبية من العهود والتوجيهات والوصايا والإرشادات والتطبيق القولي والعملي والإعتقادي والحالي وما أسست الزوايا وأقيمت إلا لهذه المهمات فليست الزوايا إلا مدارس عملية وأخلاقية وتهديبية يتخرج منها جماعات إثر جماعات من المومنين الصادقين المخلصين المحبين …
وما يوجد من النظريات أو بعض الأقوال والأحوال عند القوم فذلك لا يكون مثارا للطعن في أصل الطريق ولا حاملا على التبديع والتظليل على الإطلاق، فإن تلك الأشياء قد تكون لها محامل حسنة تناسبها وقد تكون لها أدلة اجتهادية صحيحة كما هو الواقع. فالمسارعة إلى الانتقاد ليس شأن أهل الورع والانصاف.
نعم إننا لا ننكر أن طريق القوم قد دخل فيها متطفلون وظهر فيها أدعياء ودخلاء بعيدون عن أهلها الصادقين المخلصين بعد مابين السماء والأرض ولكن ذلك لا يضر الطريق ولا يشينها ومن حاول انتقاد طريق الصوفية لما ظهر في أهلها من الانحراف والميوعة فلينتقد أصل الاسلام وليطعن فيه لان أهله المنتسبين اليه اليوم قد خرجوا عنه وانحلوا منه وكفى بذلك خطأ.
وإنني أتعجب كثيرا وكثيرا ممن ينكرون التصوف اليوم وهو من الدين ويناصبونه وأهله العداوة ويرمونه من كل جهة ومكان ويوجهون اليه سهام المطاعين ويحملون عليه حملة شعواء لا يحملونها على الشيوعية والادينية وهذا وإن كان شيئا يعد غريبا في نفسه فإنه في الحقيقة والواقع لا غرابة فيه مادام المسلمون قد انحرفوا عموما عن دينهم وظهر انحلالهم منه في جميع الطبقات لاسيما والتصوف يدعو الى التخلق بأخلاق القرآن الحقة بالمعنى الكامل فهو ليس مجرد قول وتمشدق ودعاوي وجعجعة ولذلك تجد الناس ينفرون منه وينكرونه لانه شاق على النفوس مخالف لاهوائها غير ملائم لها وزاد الناس اليوم مساعدة على الانكار طغيان المادة مع معاونة خصوم الاسلام واعدائه الالداء والطاعنين المنتقدين من المستشرقين والمبشرين والشيوعيين والصهيونية العالمية.
الذين تحزبوا وتجندوا لمحاربة الاسلام والمسلمين محاربة لاهوادة فيها ولا سلم معها والذين لم يزالوا ولا يزالون يكيدون للاسلام والمسلمين متحزبين للقضاء على هذا الدين الحنيف وقلع جذوره من القلوب وغزوه من جميع نواحيه فكريا واخلاقيا واقتصاديا وسياسيا فهم في مقاوم ةمتوالية وجهاد مستمر واغارات متتباعة بنشر كل الوسائل والطرق من حضارة وثقافة ومدنية وانواع الملاهي والفجور والمغريات المتعددة والوسائل الهدامة التي قضوا بها على ديننا وأثروا بها على مجتمعنا تأثيرا عظيما وأصبحنا مهددين في البقية المومنة الباقية ولذلك كان من الواجب على قادة المسلمين اليوم وعلمائهم ودعاتهم ان يتألفوا ويتكتلوا ويأخد كل بيد صاحبه ويرفضوا التدخل في الخلافيات والنظريات الاجتهادية البسيطة بالنسبة الى غيرها من الكليات وان يتسامحوا في الجملة ويتحابوا وان لا يشدوا النكير الا على ماليس له ادنى نصيب من قواعد الشرع وذلك بحمد الله قليل بالنسبة لغيره وإذا انكروا فبالحكمة وبالتي هي أحسن فإننا في وقتنا الحالي نعاني تيارات إلحادية ونقاسي موجات لادينية ونحارب جهارا في صميم عقيدتنا وجوهر ديننا وكلياته فمن كان صادقا في دعوته مخلصا في نصيحته فليعطف على المسلمين وليغض الطرف عن اتجاهاتهم الاجتهادية وليقاوم هذه السيول الجارفة التي فاضت علينا من الشرق والغرب وذلك أفضل بكثير بل أوجب من الاشتغال بالانتقادات حول بعض الجزئيات الخلافية التي لا نجني من ورائها الا ايقاد نار العداوة وتفريق شمل المسلمين مع الاسف.
وههنا نشاهد الفوارق الشاسعة بين طبقات العلماء وطبقان الصوفية الذين سلكوا الطريق وتهذبوا حيث ان العلماء الغير المهذبين لا يزالون من وقت لآخرفي معارك مستمرة بينهم في مسائل فروعية خلافية بسيطة قد تفضي بهم الى الهجران والتضليل والتكفير بل والمقاتلة . كل ذلك انتصارا للرأي والنفس ودفاعا عن الرياسة وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا الاية . بينما نجد العارفين والعلماء المهذبين جعلنا الله منهم واقفين مع آداب الشريعة بعيدين عن الانتصار للنفس والهوى متخلقين بالاخلاق الكريمة والشمائل المحمدية في كل شؤونهم مقبلين على الله تعالى منشغلين بمايعنيهم مشتغلين.
وستتجلى للقارئ الكريم هذه الاوصاف بأجلى مظهر في طي هذا الكتاب الذي ضمناه تراجم جملة من أكابر أولياء مغربنا ومشاهير شيوخه الذين كانت لهم الاثار العظيمة الخالدة في الاصلاح البشري والنهضة الروحية وتربية اجيال واجيال من أبناء هذا القطر العزيز وغيرهم وتهذيب اخلاقهم واحياء روحهم وسيجد القارئ خلال تراجمهم حكما رائقة ووصايا نافعة وتأييدات منعشة ونبذا من سلوكهم ومجاهداتهم ورياضاتهم في طريق الله عز وجل وما الى ذلك من معارفهم وأحوالهم وطرف حكاياتهم وفي ذلك فوائد لا تخفى على اللبيب وقد نص سيدي عبد الكريم الجيلي رضي الله عنه في مراتب الوجود والعارف سيدي محمد بن جعفر الكتاني رحمه الله في شفاء الاسقام على ان مطالعة كتب القوم الصوفية تقوي الروح والامر كما قالا وقديما قال سيد الطائفة الجنيد رضي الله عنه :الحكايات جند من جنود الله تعالى يقوي بها ابدان المريدين وقال يونس بن محمد وحمه الله تعالى ما رأيت أنفع للقلوب من ذكر الصالحين وذكر حجة الاسلام الغزالي من الاحياء والقاضي عياض في المدارك وغيرهما عن سفيان الثوري رحمه الله تعالى انه قال عند ذكر الصالحين تنزل الرحمة.
وإنما للفئدة ذكرت أمام الموضوع مقدمة هامة أوردت فيها بعض الجوانب الصوفية التي لها تعلق ومسيس بالكتاب والله أسأل وبنبيه أتوسل أن يجعل كل ذلك خالصا لوجهه الكريم وأن يجعلني من خاصة أوليائه ومن المحبين الموالين لهم وان يحشرني وإياهم في زمرة حبيبه ورسوله الكريم سيدنا محمد صلى الله عليه وشرف وعظم ومجد وكرم.
الصوفي والتصوف والولي
بما أننا سنتكلم عن الصوفية والاولياء واحوالهم فلا يفوتنا ان نتعرض ولو اشارة لبيان الصوفي والتصوف والولي وما يتبع ذلك.
اما كلمة صوفي فقد تضاربت في اصلها الاقوال قديما وحديثا فقيل انه من اسماء النسب كالقرشي والمدني وامثال ذلك وقيل انه نسبة الى اهل الصفة لان الصوفي تابع لهم في التحقيق بما كانوا عليه من التجريد والانقطاع الى الله تعالى وفيما أثبت الله لهم من الوصف حيث قال واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدو ن وجهه .وهذا قول اختاره كثير من القوم ورجال الطريق وعليه مشى بن البناء في المباحث الاصلية ومنظومته الرائقة التي وضعها في اداب الطريق والسلوك التي شرحها لنا العارف أبو العباس ابن عجيبة رضي الله تعالى عنهما.
وان كان القياس اللغوي يخالف هذه النسبة وقيل هو نسبة الى الصف المقدم بين يدي الله عز وجل لان ذلك حالة الصوفي وقيل نسبة الى الصفوة من خلق الله تعالى لان الصوفية هم القوم المختارون من سائر البشر وقيل نسبة الى الصفاء أي صفاء القلب من غير الله بإخلاص العبودية والتجرد مما سواه وقيل نسبة الى صوفة وكل هذه الاقوال وان كانت من جهة المعنى والواقع صحيحة فقد ردها المحققون من جهة اللفظ لانها لا تتوافق ولغة العرب والاقرب أنه منسوب إلى الصوف لان القياس اللغوي يؤيده ولان لباس الصوف كان من شعار الانبياء والنساك والمتعبدين ورجح هذا الرأي واختاره السراج في اللمع 40 والقشيري في الرسالة 4-3-4 بالشرح والكلاباذي في التعرف 29-30 وابن تيمية في الصوفية والفقراء 2-13-17 واليافعي في نشر المحاسن الغالية 2-343 وذكر ابو نصر السراج وغيره ان هذه التسمية صوفي كانت موجودة زمن التابعين وفي اواخر ايام الصحابة بدليل ان الحسن البصري رضي الله عنه قال رأيت صوفيا في الطواف فاعطيته شيئا فلم يأخده وان سفيان الثوري رضي الله عنه قال لولا ابو هاشم الصوفي ما عرفت دقيق الرياء ثم ذكر ان مكة المكرمة خلت في وقت من الاوقات قبل الاسلام حتى كان يعرف هذا الاسم وكان ينسب اليه اهل الفضل والصلاح وقال الامام ابو العباس احمد بن تيمية رحمه الله تعالى في رسالة الصوفية والفقراء قد نقل التكلم به يعني لفظ الصوفية عن غير واحد من الائمة والشيوخ مالامام أحمد بن حنبل وابي سليمان الداراني وسفيان الثوري الخ وهذا البحث وما فيه انما هو في اصل مادة صوفي فقط اما الصوفي في العرف فهو العارف بالله المتحقق بمقامات اليقين المتخلي عن الرذائل المتحلي بالفضائل وسيأتيعقبه بعض كلام فيه.
اما التصوف فقد قال فيه الامام الجنيد هو استعمال كل خلق سني وترك كل خلق دني وقال ابو الحسن الشاذلي التصوف تدريب النفس على العبودية وردها لاحكام الربوبية وقال العارف سيدي أحمد زروق في قواعده التصوف علم قصد لاصلاح القلوب وإفرادها بالله تعالى عما سواه وقال الشيخ زكرياء الانصاري في شرح الرسالة القشيرية التصوف علم تعرف به احوال تزكية النفوس وتصفية الاخلاق وتعمير الظاهر والباطن لنيل السعادة الابدية وقال ابو العباس العارف سيدي احمد بن عجيبة في معراج التحقيق التصوف هو علم يعرف به كيفية السلوك الى حضرة ملك الملوك وتصفية البواطن من الرذائل وتحليتها بأنواع الفضائل وأوله علم ووسطه عمل وآخره موهبة قال سيدي احمد زروق وقد حد ورسم بوجوه تبلغ نحو الالفين قال ومرجع كلها لصدق التوجه الى الله تعالى وإنما هي وجوه فيه قلت وانظر بعضها عند القشيريفي بحث التصوف من رسالته وان شئت التوسع فاقرء تراجم حلية الاولياء فقد ذكر مؤلفها الحافظ أو نعيم في ترجة كل شخص ماقيل في التصوف.
وزيادة في ايضاح هذا الموضوع ننقل بعض نصوص ائمتنا وعلمائنا في ذلك لعظيم فائدتها وكشفها عن مبدء التصوف وأصله وهدفه وموقعه من دين الاسلام.
قال أبو القاسم سيدي عبد الكريم القشيريفي رسالته المشهورة التي كتبها الى جماعة الصوفية اعلموا رحمكن الله تعالى ان المسلمين بعد رسول الله صلى الله وسلم لم يتسم أفاضلهم في عصرهم بتسمية علم سوى صحبة الرسول صلى الله عليه وسلم إذ لا فضيلة فوقها فقيل لهم الصحابة ولما أدركهم أهل العصر الثاني سمي من صحب الصحابة التابعين ورأوا ذلك أشرف سمة ثم قيل لمن بعدهم اتباع التابعين ثم اختلف الناس وتباينت المراتب فقيل لخواص الناس ممن لهم شدة عناية بأمر الدين الزهاد والعباد ثم ظهرت البدع وحصل التداعي بين الفرق فكل فريق ادعى أن فيهم زهادا فانفرد خواص أهل السنة المراعون أنفاسهم مع الله تعالى الحافظون قلوبهم عن طوارق الغفلة باسم التصوف واشتهر هذا الاسم لهؤلاء الاكابر قبل المائتين هـ 1-63-70 وقال أبوحامد حجو الاسلام سيدي محمدالغزالي في كتابه المنقذ من الضلال وهو يتحدث عن مراحله في البحث عن الحقيقة وطريق السعادة مانصه.
ودمت على ذلك مقدار عشر سنين وانكشف لي في أثناء هذه الخلوات أمور لا يمكن احصائها واستقصائها والقدر الذي أذكره لينتفع به انني علمت يقينا ان الصوفية هم السالكون لطريق الله خاصة وان سيرتهم أحسن السير وطريقهم أصوب الطرق واخلاقهم أزكى الأخلاق أزكى الاخلاق بل لو جمع عقل العقلاء وحكمة الحكماء وعلم الوقفين على اسرار الشرع من العلماء ليغيروا شيئا من سيرهم وأخلاقهم ويبدلوه بما هو خير منه لم يجدوا اليه سبيلا وإن جميع حركاتهم وسكناتهم في ظاهرهموباطنهم مقتبسة من نور مشكاة النبوة وليس وراء نور النبوة على وجه الارض نور يستضاء به قال وبالجملة فماذا يقول القائلون في طريقة طهارتها وهي اول شروطها تطهير القلب بالكلية عما سوى الله تعالى ومفتاحها الجاري منها مجرى التحريم من الصلاة استغراق القلب بالكلية بذكر الله وآخرها الفناء بالكلية في الله قال ومن أول الطريق تبتدء المكاشفات والمشاهدات حتى انهم في يقظتهم يشاهدون الملائكة وأرواح الانبياء ويسمعون منهم أصواتا ويقتبسون منهم فوائد ثم يترقى الحال من مشاهدة الصور والامثال الى درجات يضيق عنها نطاق النطق فلا يحاول معبر أن يعبر عنها الا اشتمل لفظه على خطإ صريح لا يمكنه الاحتراز عنه الى…
وهذا بيان منه لطريق القوم والتصوف بجميع المراحل بداية ووسطا ونهاية مع ثنائه الكامل على التصوف ورجاله وذلك منه عن علم وسلوك ومعاينة وتجربة طويلة فهي شهادة صادقة عادلة منه يجب أن تكتب بسواد العيون وقال العلامة المؤرخ الاجتماعي عبد الرحمن بن خلدون في مقدمته المشهورة ص 467- 469 طبع دار إحياء التراث العربي بيروت وهو يتحدث عن انواع العلوم.
وهذا العلم يعني التصوف من العلوم الشرعية الحادثة في الملة واصله أن طريقة هؤلاء القوم لم تزل عند سلف الامة وكبارها من الصحابة والتابعين ومن بعدهم طريقة الحق والهداية وأصلها العكوف على العبادة والانقطاع الى الله والاعراض عن زخرف الدنيا ومال وجاه والانفراد عن الخلق والخلوة للعبادة وكان ذلك عاما في الصحابة والسلف فلما فشا الاقبال على الدنيا في القرن الثاني وما بعده وجنح الناس الى مخالطة الدنيا اختص المقبلون على العبادة باسم الصوفية والمتصوفة الى ان قال وصار علم الشريعة على صنفين صنف مخصوص بالفقهاء وأهل الفتيا وهي الاحكام العامة في العبادات والعادات والمعاملات وصنف مخصوص بالقوم في القيام بهذه المجاهدات ومحاسبة النفس عليها والكلام في الاذواق والمواجيد العراضة في طريقها وكيفية الترقي منها من ذوق الى ذوق وشرح الاصطلاحات التي تدور بينهم في ذلك فلما كتبت العلوم ودونت وألف الفقهاء في الفقه واصوله والكلام والتفسير وغير ذلك كتب رجال من اهل هذه الطريقة في طريقتهم فمنهم من كتب في الورع ومحاسبة النفس على الاقتداء في الاخد والترك كما فعله القشيري في الرسالة والسهروردي في كتاب عوارف المعارف وامثالهم وجمع الغزالي رحمه الله تعالى بين الامرين في كتاب الاحياء فدون فيه احكام الورع والاقتداء ثم بين اداب القوم وسننهم وشرح اصطلاحاتهم في عباراتهم وصار علم التصوف في الملة علما مدونا بعد ان كانت الطريقة عبادة فقط وكانت احكامها تتلقى من صدور الرجال . كما وقع في سائر العلوم التي دونت بالكتب من التفسير والحديث والفقه والاصول وغير ذلك انتهى كلام ابن خلدونرحمه الله تعالى وليكن مسك ختامنا لهذا البحث بكلمة هامة جامعة لمولانا الامام شيخ الاسلام العارف الكبير ابي عبد الله سيدي محمد بن الصديق الغماري قدس الله روحه فقد قال في جواب له عن سؤال وجه اليه حول هذا الموضوع ما نصه وأما أول من أسس الطريقة وهل كان تأسيسها بوحي الخ.
فلتعلم ان الطريقة اسسها الوحي السماوي في جملة ما اسس من الدين المحمدي اذ هي بلا شك مقام الاحسان الذي هو احد اركانالدين الثلاثة التي جعلها النبي صلى الله عليه وسلم بعد مابينها واحد ا واحدا دينا فقال هذا جبريل جاء يعلمكم دينكم فغاية ما تدعو اليه اليه الطريقة وتشير اليه هو مقام الاحسان بعد تصحيح الاسلام والايمان ليحرز الداخل فيها المدعو اليها مقامات الدين الثلاثة الضامنة لمحرزها والقائم بها السعادة الابدية في الدنيا والاخرة والضامنة أيضا لمحرزها كمال الدين فانه كما في الحديث عبارة عن الاركان الثلاثة فمن اخل بمقام الاحسان الذي هو الطريقة فدينه ناقص بلا شك لتركه ركنا من أركانه ولذا نص المحققون على وجوب الدخول في الطريقة وسلوك طريق التصوف وجوبا عينيا واستدلوا على ذلك بما هو ظاهر عقلا ونقلا ولسنا الان بصدد بيان ذلك وقد بين القرآن العظيم من احوال التصوف والطريقة ما فيه الكفاية فتكلم على المراقبة والمحاسبة والتوبة والانابة والذكر والفكر والمحبة والتوكل والرضا والتسليم والزهد والصبر والايثار والصدق والمجاهدة ومخالفة النفس وتكلم على النفس اللوامة والامارة بالسوء والمطمئنة وعلى الاولياء والصالحين والصديقين والمؤيدين وغير هذا مما تكلم فيه أهل التصوف والطريقة رضي الله تعالى عنهم قال واذا كانت من الدين بل هي اشرف أركانه وكانت بوحي كما قلناه وكانت الصحابة بالحالة التي بلغتنا عنهم تواتر من المسارعة الى امتثال امرالله تعالى كانوا بالضرورة اول داخل فيها وعامل بمقتضاها وذائق لاسرارها وثمرتها ولهذا كانوا على غاية ما يكون من الزهد في الدنيا والجاهدة لانفسهم ومحبة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم والدار الاخرة والصبر والايثار والرضا والتسليم وغير ذلك من الاخلاق التي يحبها الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وتوصل إلى قربهما وهي المعبر عنها بالتصوف والطريقة وكما كانوا رضي الله عنهم على هذه الحالة الشريفة كان اتباعهم ايضا عليها وان كانوا دونهم فيها وكذلك كان اتباع الاتباع وهلم جرا الى ان ظهرت البدع وتأخرت الاعمال وتنافس الناس في الدنيا وحييت النفوس بعد موتها فتأخرت بذلك انوار القلوب ووقع ما وقع في الدين وكانت ووقع ما وقع في الدين وكادت الحقائق تنقلب وكان ابتداء ذلك من أواخر المئة الاولى من الهجرة ولم يزل ذلك يزيد سنة بعد سنة اخرى الى أن وصل الى حالة تخوف منها السلف الصالح على الدين فانتدب عند ذلك العلماء لحفظ هذا الدين الشريف فقامت طائفة منهم بحفظ مقام الاسلام وضبط فروعه وقواعده وقامت طائفة بحفظ مقام الايمان وضبط اصوله وقواعده على ما كان عند سلفهم الصالح وقامت اخرى بحفظ مقام الاحسان وضبط أعماله واحواله فكان من الطائفة الاولى الائمة الاربعة واتباعهم رضي الله عنهم وكان منالطائفة الثانية الاشعري وأشياخه واصحابه وكان من الثالثة الجنيد وأشياخه واصحابه فعلى هذا ليس الجنيد هو المؤسس للطريقة لما ذكرناه من انها بوحي الاهي وانما نسبت اليه لتصديه لحفظ قواعدها واصولها ودعائه للعمل بذلك عندما ظهر التأخر عنها وبهذا السبب نفسه نسبت العقائد الى الاشعري والفقه للائمة الاربعة مع ان الجميع بوحي من الله تعالى انتهى من التصور والتصديق لنجله الاكبر الحافظ ابي الفيض رحمه الله تعالى ورضي عنه.
ولدينا تحت اليد نقول وشهادات اخرى للتصوف والصوفية من عدة شخصيات اسلامية بارزة اضربنا عنها طلبا للاختصار ولها موضع آخر ولتحقق الملاين والملاين من كبار العلماء والائمة عبر العصور من صحة طريق القوم وفائدتها العظمى اللازمة انخرطوا فيها وسلموا انفسهم لاربابها طلبا منهم لتحقيق مقام الاحسان والتحقق بالعبودية الخالصة ولم يتخلف عنها الا المتكبرون واصحاب الرعونات النفسانية وسيمر بالقارئين عدة شخصيات من رجالات العلم وأئمة كانوا تلامذة لرجال التصوف حتى العامة والاميين منهم كأبي مدين الغوث مثلا وأبي يعزى وابي المحاسن سيدي يوسف الفاسي مع سيدي عبد الرحمن المجذوب وسيدي احمد بن المبارك مع سيدي عبد العزيز الدباغ ممن كان فيهم الشيخ اميا او عالما اماما عند الناس وهذه وحدها من اعظم الكرامات ومزايا الطريق.
واما الولي فهو في الاصل وصف من الولاء والتوالي وم نالولاية والتولي ويطلق على القريب بالنسب وبالمكانة والصداقة وعلى النصير وعلى المتولي للامر والحكم وغير ذلك ويطلق على الرب ، عز وجل كما يطلق على العباد اما من جهة العرف الاسلامي فالولي خاص وعام فالعام يطلق على كل المومنين لانهم آمنوا به ونصبوا من كفر به بالعداوة والبغضاء وكان هو وليهم فأيدهم وامدهم بتاييداته وبنصره.
وبمناسبة ذكر كل المومنين بولاية الله تعالى نذكر هنا ماقاله سيدي محيي الدين الحاتي رضي الله عنه في وصاياه آخرالفتوحات المكية ح4-448-449 حيث قال وإياك ومعاداة أهل لاإله الا الله فإن لها من الله الولاية العامة فهم أولياء الله تعالى وإن أخطأوا وجاءوا بقراب الارض خطايا لايشركون بالله لقيهم الله بمثلها مغفرة ومن ثبتت ولايته فقد حرمت محاربته ومن حارب الله تعالى على عداوته لله فلا تتخده عدوا وأقل احوالك اذا جهلته ان تهمل امره فإذا تحققت انه عدو لله وليس الا المشرك فتبرأ منه كما فعل ابراهيم الخليل عليه السلام الخ…أما الولي الخالص فهو الداخل في الوصف القرآني الذي أشار الله تعالى اليه بقوله ألا إن اولياء الله لا خوف عليهم ولاهم يحزنون الذين آمنواوكانوا يتقون الاية فأولياء الله هم المومنون المتقون وهمعلى مراتب متفاوتة ودرجات متفاضلة حسب تحققهم بدرجات الاستقامة وإحرازهم على مايمكن ان يصلوا اليه من الكمالات وقد عرف لنا الامام القشيري رضي الله عنه في رسالته الولي بهذا المعنى فقال فإن قيل فما معنى الولي قيل يحتمل امرين أحدهما ان يكون فعيلا مبالغة من الفاعل كالعليم والقديم وغيرها فيكون معناه من توالت طاعاته من غير تخلل معصية ويجوز ان يكون فعيلا بمعنى مفعول كقتيل بمعنى مقتول وجريح بمعنى مجروح وهو الذي يخلق له الخذلان الذي هو قدرة العصيان ويديم توفيقه الذي هو قدرة الطاعة قال الله تعالى وهو يتولى الصالحين انتهى كلام القشيري…
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























نوفمبر 10th, 2007 at 10 نوفمبر 2007 6:15 م
السلام عليكم آسف كثيرا لتفريطي في حقكم-إخواني أخواتي- والسبب هو نضالي في الرباط مع حاملي الشهادات العليا من اجل الحصول على حقنا في الشغل وحقنا في الحياة الركيمة.ولكم مني ألف تحية
نوفمبر 20th, 2007 at 20 نوفمبر 2007 6:53 م
في رحاب ملتقى القدس الدولي
ادراجي الجديد ادعوك للتعليق و المشاركة
يناير 17th, 2008 at 17 يناير 2008 3:06 م
قال الله تعالى :”ما يلفظ من قول الا لديه رقيب عتيد”لقد تحدثت يا اخي في موضوع خطير وعند ملاحظتي للعنوان ظننت انك اولا ستتناول القضية تناولا علميا غير اني لم اعثر لك على مصادر ومراجع اقوالك فلا احالة واحدة اسفل النص.ثم ثانيا ادعوك اخي الى الاطلاع على تقرير راند فسيفيك بما تيسر لفمهم الظاهرة التي طرحتها جيدا آنذاك يا اخي ستكون قد احطت بالموضوع واجرك على الله.
سبتمبر 15th, 2008 at 15 سبتمبر 2008 7:37 م
iهذا هو الهبال والا فلا.
الله يعفو عليكم وعلى مولاكم عبسلام.