
نسبه وولادته:
سيدي عبد السلام بن مشيش بن مالك بن علي بن حرملة بن سلام بن مزوار بن حيدرة بن محمد بن إدريس الأكبر بن عبد الله الكامل بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب و فاطمة الزهراء بنت رسول الله صلى الله عليه وسلّم كانت ولادته سنة 559 ه-1198م . في القرية التي كان يسكنها والده وهي قرية الحصين.
ونشأ رضي الله عنه بين قبيلة أجداده وهي قبيلة بني عروس وهي من القبائل الجبلية القريبة من ساحل المحيط في المغرب.
نشأته وتلقيه العلم وسلوكه:
نشأ رضي الله عنه وتعلم الكتابة والقراءة ويقال انه لم تمر عليه اثنتا عشرة سنة حتى حفظ القرآن الكريم، ويقال أن شيخه في القران الولي الصالح سيدي سليم. قال الشريف اللهيوي في كتاب حصن السلام بين أولاد مولاي عبد السلام (ومن أشهر مشايخه في الدراسات العلمية الولي الصالح الفقيه سيدنا الحاج أحمد الملقب أقطران كان يأخذ عنه الفقه على مذهب الإمام مالك). وقال من مشايخه في العلم أخوه الأكبر سيدنا الحاج الرضى وقد ذكره صاحب كتاب الدرر البهية فقال
قضى عمره في العبادة وكان رضي الله عنه في العلم في الغاية وفي الزهد في النهاية ). ويتحدث ابن الكوهن في كتابه طبقات الشاذلية
كان علاوة على علو همته عالما فاضلا جليل القدر لا ينحرف عن جادة الشريعة قيد شعرة). وقد ترجم له سيدي أحمد ابن عجيبة رضي الله عنه فقال:( أخذ رضي الله عنه عن شيخه أبي محمد سيدي عبد الرحمن المدني الحسني الملقب بالزيات).
وكان سيدي ابن مشيش قدس الله سره في صغره منقطع للعبادة في مغارة بجبل العلم بعد أن أدركه الجذب وهو ابن سبع سنين فدخل عليه بعد مدة رجل عليه سيما أهل الخير فقال له أنا شيخك الذي كنت معك من وقت الجذب إلى الآن ووصف له ما وصل إليه حالا حالا ومقاما مقاما ومدة كل مقام وزمنه. ثم سئل رضي الله عنه بعد ذلك هل كان يأتيك أو كنت تأتيه فقال كل ذلك قد كان فقيل أطيا لمسافة المكان أم سفرا فقال طيا.
لم يكن سيدي عبد السلام رضي الله عنه يتطلع إلى شهرة ولا إلى زعامة، يقول أحد مؤرخيه:( توارى عن الأعين وتباعد عن الظهور وتجرد للعبادات وفر بنفسه عما الناس فيه من الفتن). ومما يدل على ذلك ما روي عن سيدي أبو الحسن الشاذلي قدس الله سره أنه قال: (أتيت إلى غار لأبيت فيه فسمعت فيه حس رجل فبت خارج الغار فلما كان السحر سمعته يقول: ( اللهم إن أقواما سألوك إقبال الخلق عليهم وتسخيرهم لهم فسخرت لهم خلقك، اللهم إني أسالك إعراضهم عني واعوجاجهم علي حتى لا يكون لي ملجأ إلا إليك) ثم خرج فإذا هو سيدي ابن مشيش قدس الله سره.
ومما يدل على شدة بعده عن الناس وخفائه عنهم أن سيدي أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه كان في بلده ولم يعثر عليه وهاجر إلى العراق أثناء بحثه عن القطب فقال له الشيخ أبي الفتح الواسطي أنت تطلب القطب وهو ببلادك ارجع إلى بلادك تجده فرجع إلى بلاده فاجتمع بسيدي عبد السلام قدس الله سره.
لم يذكر التاريخ لسيدي عبد السلام قدس الله سره تلميذا أو مريدا سوى سيدي أبو الحسن قدس الله سره حتى أن جميع ما روي عن سيدي عبد السلام قدس الله سره كان عن طريق سيدي أبو الحسن الشاذلي قدس الله سره.حتى أن أحد المؤرخين يقول: (الشاذلي درة في جملة عقود نحره) (لما أخفاه الله في عالم الشهود جعل تلميذه في عالم الظهور العياني فكان التعريف بالتلميذ شرحا لخاصية الأستاذ في الحقيقة).
مآثره العلمية :
لعل قلة المآثر عن سيدنا عبد السلام بن مشيش , مع عظم قدره الذي رأيناه في تلميذه أبي الحسن الشاذلي , هو أنه كان شديد الخفاء , فمن أدعيته " اللهم إني أسألك اعوجاج الخلق عليّ حتى لا يكون ملجئي إلا إليك " وقد استجاب الله للشيخ مراده فبلغه من الخفاء حتى لم يعرفه إلا الشيخ أبو الحسن الشاذلي , الذي صارت الطريقة تنسب له , أما مآثره العلمية التي وصلتنا عن طريق تلميذه سيدي أبو الحسن , فهي مجموعة من المرويات التي تتميز بنقاء العبارة وصفائها وتوافقها مع الكتاب والسنة منها :
من وصاياه لسيدي أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنهما:
الزم الطهارة من الشكوك كلما أحدثت تطهرت ومن دنس الدنيا كلما ملت إلى شهوة أصلحت بالتوبة ما أفسدت بالهوى.
عليك بمحبة الله على التوقير والنزاهة.
يا أبا الحسن لا تنقل قدميك إلا حيث ترجو الله ولا تجلس إلا حيث تأمن غالبا من معصية الله ولا تصحب إلا من تستعين به على طاعة الله.
يا أبا الحسن اهرب من خير الناس أكثر مما تهرب من شرهم فان خيرهم يصيبك في قلبك وشرهم يصيبك في بدنك.
كان من دعائه رضي الله عنه ( اللهم من سبق له الشقاء منك فلا يصل إلينا ومن وصل إلي أكون له شفيعا يوم القيامة، اللهم لا تبعث إلينا من حكمت بشقائه).
قال سيدي أبو الحسن قدس الله سره سألني أستاذي أي سيدي عبد السلام رضي الله عنه بماذا تلقى الله تعالى فقلت بفقري فقال والله لئن لقيت الله بفقرك لتلقينه بالصنم الأعظم. قال سيدي ابن عجيبة إنما يلقى الله به لا بشيء سواه.
قال له رجل يا سيدي وظف علي وظائف وأورادا أعمل بها فقال له: أرسول أنا، الفرائض مشهورة والمحرمات معلومة فكن للفرائض حافظا وللمعاصي رافضا واحفظ قلبك من حب الدنيا وحب النساء وحب الجاه.
قال سيدي أبو الحسن رضي الله عنه أنه حين أقام عنده رأى له خوارق عادات وكرامات، ومن أعظمها رسمه لحياة سيدي أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه من الذهاب إلى تونس وغضب السلطان عليه إلى الذهاب مدينة تسمى شاذلة واخبره أنه سيكنى بها ويسمى الشاذلي ثم الذهاب إلى مصر ووراثة القطبانة بها.
قد يتساءل بعض الباحثين وكثير من الناس أنه كيف يكون حال هذا القطب بهذه المنزلة ولم يذكره أحد ممن عاصره ولا عرجوا عليه، فلم يذكره التادلي في معراج التشوف ولا سيدي ابن عربي الحاتمي مع أنه كان في عصره وبلده ولم يذكر في أنس الفقير لابن قنفذ وقد ذكر فيه الكثير من رجال المغرب والأندلس.
والجواب على ذلك أن سيدي عبد السلام رضي الله عنه كان يعيش في جبل العلم بعيدا عن العمران والقرى فضلا عن المدن وكان غير معروف عند الناس ولم تكن له زاوية رسمية ولا أتباع ثم إن تلك النواحي الجبلية البدوية لم يكن بها رجال من أهل العلم ولولا ثورة ابن أبي الطواجن كانت مشهورة لقرب موقعها من تطوان وذيوع مقتل الشيخ على يده لما أشار إليه ابن خلدون في كتابه العبر، ويضاف إلى ذلك كله اجتهاد سيدي عبد السلام رضي الله عنه في الاختفاء عن أعين الناس وحبه للخلوة مع الله.
ومن أهم ماوصلنا من النصوص لسيدي عبد السلام بن مشيش هو نص الصلاة المشيشية , وهو نص فريد ما إن تخالط كلماته الروح حتى تحلق بصاحبها في أجواء من السمو وملكوت الجمال , وقد كانت محط أنظار الشرّاح .
الصَّــلاة المشـيشـيّة
اللهمَّ صلِّ على مَنْ منهُ انشقَّت الأسرار, وانفلقَتِ الأنوارُ، وفيهِ ارتقَتِ الحقائقُ، وتنـزَّلتْ عُلومُ آدمَ فأعجزَ الخلائقَ ، ولهُ تضاءَلتِ الفُهومُ فَلمْ يُدْرِكْهُ منّا سابقٌ ولا لاحِقٌ ، فرياضُ الملكوتِ بزهرِ جماله مونِقةٌ ، وحياضُ الجبروتِ بِفيضٍ أنوارِهِ مُتدفّقةٌ ، ولا شيءَ إلا وهوَ به منوطٌ ، إذ لولا الواسِطةُ لذهَبَ كما قيلَ الموسوطُ ، صلاةً تليقُ بكَ مِنكَ إليهِ كما هو أهلهُ ، اللهمَّ إنّه سرُّكَ الجامعُ الدَّالُّ
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف |